
ماذا تقول وثائق السي آي إيه عن الطائفية في فترة الحرب الباردة ؟
بقلم: عثمان شيخ الدين عكرة
عندما نعيد قراءة الوثائق التي رُفعت عنها السرية من أرشيف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، لا نكتشف فقط ما كانت تعرفه واشنطن عن السودان، بل نكتشف كيف كانت تفكر. فالسودان في الخمسينيات والستينيات لم يكن بالنسبة للإدارة الأمريكية دولة ناشئة تبحث عن الاستقلال وبناء مؤسساتها، بل كان قطعة في رقعة شطرنج الحرب الباردة، تُقاس قيمتها بمدى اقترابها أو ابتعادها عن المعسكر السوفيتي.
في هذا السياق، ظهرت الطائفتان الكبريان – الأنصار والختمية – في تقارير الاستخبارات الأمريكية بوصفهما “قوى تقليدية” أو حتى “رجعية”، لكن المفارقة أن هذه “الرجعية” نفسها كانت تُعد ميزة استراتيجية.
الطائفية كاستقرار اجتماعي قابل للإدارة
تُظهر وثائق منتصف الخمسينيات أن واشنطن كانت ترى في البنية الطائفية للسودان نوعاً من الاستقرار الاجتماعي العميق. فالولاء الديني المتجذر، والارتباط الروحي بالقيادات الطائفية، والامتداد الريفي الواسع، كلها عناصر تجعل اختراق المجتمع عبر الأيديولوجيا المادية – أي الشيوعية – أكثر صعوبة.
لم تكن المسألة إعجاباً بالطائفية، بل حساباً بارداً:
أي بنية اجتماعية يمكن أن تقف سداً أمام التنظيم النقابي والطلابي الذي يقوده اليسار تُعد حليفاً موضوعياً، حتى وإن كانت تعيق التحديث السياسي أو الاقتصادي.
وهكذا فضّلت واشنطن سوداناً “تقليدياً طائفياً” يمكن احتواؤه، على سودان “حداثي تقدمي” قد ينزلق إلى المعسكر الاشتراكي.
الأنصار: الاستقلال أولاً… ومخاوف الملكية
في قراءة الاستخبارات الأمريكية، برزت طائفة الأنصار – تحت قيادة السيد عبد الرحمن المهدي – كالقوة الأكثر صلابة في مواجهة مشروع وحدة وادي النيل الذي كانت تدعمه مصر. وكان هذا الموقف حاسماً في نظر واشنطن، لأن القاهرة في عهد جمال عبد الناصر أصبحت في الحسابات الأمريكية جزءاً من المعسكر المناوئ للغرب، خاصة بعد تقاربها مع الاتحاد السوفيتي.
رفض الأنصار القاطع للاندماج مع مصر منحهم قيمة استراتيجية مضاعفة. فاستقلال السودان عن النفوذ المصري كان متسقاً مع المصالح الغربية. غير أن الوثائق لم تخلُ من تحذيرات؛ إذ أشارت بعض التقارير إلى مخاوف من “طموحات ملكية” قد تُدخل البلاد في صدام داخلي، وتدفع القوى الحديثة نحو التطرف اليساري.
بمعنى آخر، كان الأنصار يُنظر إليهم كحليف قوي، لكن ينبغي مراقبته. قوة مفيدة، لكن غير مضمونة بالكامل.
الختمية: ثقل جماهيري… وبوابة مصرية محتملة
أما الختمية، فقد قُرئت أمريكياً بطريقة أكثر تعقيداً. فهي كتلة جماهيرية ضخمة، أقل حدة في خطابها السياسي مقارنة بالأنصار، وأكثر ميلاً إلى المناورة. لكن قربها التاريخي من مصر أثار القلق الأمريكي.
لم يكن الخوف من شيوعية الختمية، بل من احتمال أن تتحول العلاقة الروحية والسياسية مع القاهرة إلى قناة لتمرير السياسات الناصرية ذات الطابع الاشتراكي إلى الداخل السوداني. وفي ذروة الحرب الباردة، كان أي تقارب مع عبد الناصر يُقرأ باعتباره اقتراباً من موسكو، حتى وإن لم يكن كذلك عملياً.
ومع ذلك، رأت واشنطن في الختمية عنصراً ضرورياً للتوازن. فوجود قوتين طائفيتين كبيرتين يمنع احتكار السلطة من طرف واحد، ويقلل من احتمالات الانقلاب العسكري ذي التوجه اليساري. التوازن، حتى وإن كان تقليدياً، أفضل من الفراغ.
أكتوبر 1964: صدمة الحسابات
جاءت ثورة أكتوبر 1964 لتربك هذه المعادلة. فقد أظهرت أن السودان ليس مجرد مجتمع طائفي ساكن، بل مجتمع مدني حي، تحركه النقابات والطلاب والمهنيون. وأظهرت كذلك أن الحزب الشيوعي يمتلك حضوراً مؤثراً في الشارع.
الوثائق الأمريكية اللاحقة عبّرت عن قلق واضح من “اختطاف اليسار” للثورة. لكن هذا التوصيف كان أقرب إلى قراءة أمنية متوجسة منه إلى توصيف دقيق للواقع، إذ سرعان ما استعادت الأحزاب التقليدية موقعها في المشهد السياسي.
غير أن الدرس الذي خرجت به واشنطن كان واضحاً: الطائفية وحدها لا تكفي لضبط الإيقاع السياسي إذا تحرك الشارع الحديث.
المفارقة الكبرى: بين التحديث والاحتواء
تكشف هذه الوثائق مفارقة عميقة في السياسة الأمريكية. فمن جهة، كانت التقارير تنتقد الطائفية بوصفها بنية تعيق التحديث وتكرّس الإقطاع السياسي. ومن جهة أخرى، كانت السياسة العملية تفضّل الإبقاء على هذا الواقع لأنه أكثر قابلية للإدارة وأقل خطراً من صعود يسار أيديولوجي منظم.
لم يكن السؤال الأمريكي: كيف نبني سوداناً حديثاً مستقراً؟
بل كان: كيف نمنع سقوط السودان في المعسكر السوفيتي؟
وهنا تكمن جوهر الرؤية: الأولوية للأمن الاستراتيجي، لا للتحول الديمقراطي أو التنمية.
قراءة في المنهج
مع ذلك، ينبغي الحذر من التعامل مع وثائق الاستخبارات باعتبارها حقائق نهائية. فهي تعكس تقديرات محللين يعملون تحت ضغط سياسي وأمني، وغالباً ما يضخمون حجم التهديد. كما أنها تقرأ المجتمعات من زاوية النفوذ، لا من زاوية الديناميات الداخلية المعقدة.
فالطائفية في السودان لم تكن مجرد أداة في يد القوى الدولية، بل كانت تعبيراً عن تركيبة اجتماعية وتاريخية عميقة، لها استقلالها النسبي عن الحسابات الخارجية.
في المحصلة، نظرت واشنطن إلى “السيدين” كصمامي أمان في لحظة عالمية مضطربة. لم تكن العلاقة تحالفاً أيديولوجياً، بل تقاطع مصالح ظرفي. فالطائفية – رغم نقدها – كانت في الحسابات الأمريكية سداً أمام الشيوعية، ومصدراً لاستقرار تقليدي يمكن التفاهم معه.
لكن التاريخ أثبت أن السودان كان أكبر من أن يُختزل في معادلة الحرب الباردة. فقد ظل الصراع بين التقليد والحداثة، بين الطائفية والقوى المدنية، شأناً داخلياً معقداً، يتجاوز حسابات واشنطن وموسكو معاً.
وهكذا تكشف الوثائق، بقدر ما تكشف عن رؤية أمريكا، عن مأزقنا نحن: بلدٌ ظل يُقرأ من الخارج بوصفه ساحة نفوذ، بينما كان في الداخل يخوض صراعه الخاص من أجل تعريف ذاته.

أضف تعليق