اليوم توفي يورجن هابرماس (1929 – 2026)

اليوم توفي يورجن هابرماس (1929 – 2026). وبهذه المناسبة أعيد نشر مقال قديم (من سنة 2019):

معارك هابرماس
بعد استسلام ألمانيا دون شرط أو قيد في مايو 1945 سيطر الحلفاء على السلطة فيها وقسموها فيما بينهم، وبدأوا خاصة في القطاعات الغربية الثلاثة تنفيذ خطة لألمانيا المستقبلية، وكان لديهم عدة أهداف أهمها: تحطيم الروح العسكرية البروسية. ومحاكمة الطبقة الحاكمة الألمانية ومعاقبتها. وإعادة تربية الألمان على المفاهيم الديمقراطية. وقد سيطر الحلفاء سيطرة كاملة على الأمور التعليمية وقاموا بعملية تطهير كبرى، فأوقفوا وحاكموا كل المفكرين والأساتذة والجامعيين الذين أيدوا النازية وعلى رأسهم مفكرين وكتاب كبار مثل كارل شميت وإرنست يونجر. وكذلك منعوا من التدريس من مالوا إلى النازية ولفترة ثم ارتدوا عنها إبان سطوتها مثل مارتن هيدجر الذي لم يحاكم ولم تمنع كتبه ولكنه منع من التدريس لفترة. كما تم إحياء فكر ماكس فيبر، وكان معجباً بالتجربة الأمريكية، ودرسها بتمعن في كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” الذي وصل فيه لأفكار أعجبت الأمريكان وما زالت.
وقد وجد الحلفاء في ماكس فيبر ضالتهم فعمدوا إلى إحياء الخط الثقافي الذي يمثله وتسييده مع محاولة إماتة الخط الذي يمثله هيدجر ونيتشة ومن شابهما. ومن ثم تحول ماكس فيبر إبان الخمسينيات والستينيات إلى أيقونة ثقافية ورمزاً فكرياً للقطيعة الثقافية الألمانية مع الخط الثقافي والتربوي للأفكار القومية النازية. وفي الوقت نفسه أعاد الحلفاء الفلاسفة المهجرين مثل أدورنو وهوركهايمر وكارل لوفيث وأعطوهم وظائف جامعية مرموقة ومؤثرة، وتأسس – للمرة الثانية – معهد فرانكفورت للأبحاث الاجتماعية (سنة 1950) لكنه لم يصل قط لما كان عليه من قبل. ورغم أن مدرسة فرانكفورت الأولى كانت تعلن أنها ذات اتجاه ماركسي غربي، إلا أن الثانية تعد بشكل ما امتداداً لأفكار ماكس فيبر عن العقلانية والعلمانية ومشروع الحداثة. المهم أن كل هذا بدأ بعد هزيمة الحرب العالمية الثانية وتبعاً لخطة منظمة. ولهذا كله بدأت في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات مرحلة فلسفية ألمانية جديدة سيطر فيها اتجاه فلسفي موجه هدفه التركيز على المشاكل الاجتماعية المحلية، ومحاربة الأفكار الفاشية وضرورة التطهر منها، والإبقاء على شعور الإحساس بالذنب متقداً، وإعلاء قيمة الاعتذار وأخلاقيات الحوار، والمحافظة على البيئة ومقاومة التسلح والأبحاث النووية..الخ.
وبدون فهم هذا السياق التاريخي سيكون من الصعب فهم الفلسفة الألمانية بعد سنة 1945. وفي هذا السياق تحديداً أفهم اتجاه هابرماس ودوره الفلسفي بوصفه ماركسي غربي ليبرالي الميول، أخذ الماركسية عن أستاذيه أدورنو وهوركهايمر ولكنه صبغها بأفكار ماكس فيبر وببراجماتية أمريكية واضحة، مما ساعد – كما يزعم هابرماس نفسه – على معالجة الضعف الديمقراطي في الماركسية. وكذلك أفهم لماذا دارت معظم أعماله الفلسفية حول ضرورة التنوير والعقلانية والتحديث، فهي حسب رأيه مشروعات لم تكتمل نجاحاتها بعد. ولو كانت قد اكتملت لما سيطرت النازية على ألمانيا وما حولها.
من هذه الثوابت السياسية التي تم ترسيخها بعد 1945 ينطلق هابرماس في عمله الفلسفي الذي يقف فيه دائماً موقف المدافع عن هذه الثوابت ويخوض المعارك بسببها. وهنا يمكن الإشارة لجملته التي يقول فيها: “من حسن حظنا أننا نعيش في المجتمعات الغربية”. وهذه الجملة في السياق الهابرماسي تعني أن المجتمعات الغربية تتميز بالعقلانية، وأنه لا يوجد نظام أفضل من الديمقراطية الليبرالية، وأنه ينبغي علينا كعقلاء ألا نطالب بإزالة هذه الأنظمة الديمقراطية الليبرالية وإنما تاكيد ثوابتها وتحسين فاعلياتها.
وعلى هذا الأساس فإنه يقف ضد أي حركة راديكالية تعمل ضد النظم الديمقراطية الغربية. وهذا هو الخط العام الذي تنتظم فيه كل معاركه الفكرية والسياسية. ولهذا السبب تحديداً كان رأيي بأن خير طريقة لفهم التطور الفكري لهابرماس هو أن نتابع معاركه السياسية ومناظراته التنويرية ويمكن أن نذكر هنا: معركته (من طرف واحد) مع مارتن هيدجر (1953)، وجداله مع هانز ألبرت (1960)، ومع رودي دوتشكه (1967)، ومناظراته مع نيكلاس لومان (1971)، ومع دعاة ما بعد الحداثة (1985)، ومع ديتر هاينرش (1985)، وجدالاته مغ إرنست نولتا إبان معركة المؤرخين (1988)، ومع بيتر سلوتردايك (1999).
والغريب في الأمر أن مواقفه السياسية عادة ما تقابل بداية بالغضب وعدم الفهم، ولكن سرعان ما يظهر أنها آراء نيرة وصائبة. على سبيل المثال موقفه من الثورة الطلابية التي رأى أنها ثورة خاطئة وتحدث في الوقت الخاطيء.
ففي يونيو 1967 وفي أحد المؤتمرات عن “الجامعة والديمقراطية” (في مدينة هانوفر) صاغ هابرماس الشاب أول نقداته القوية ضد مجاميع الطلاب الثائرة، خاصة وأن أغلبها – كما قال هابرماس – يثور لمجرد الثورة، ويضج بنغمة مازوخية تهدف إلى العنف وتنتهجه كسبيل لنيل التقدير وإثارة الانتباه.
وفي حواره مع زعيم الطلاب آنذاك رودي دوتشكه قال له هابرماس: “أن ما تدعو إليه سبق وأن سُمي عام 1840 بأوتوبيا اشتراكية، وأنا لا أجد ما يمنعني من أن اسمي ما تهدفون إليه بأنه فاشية يسارية”. وقد أثار هذا الرأي غضباً عارماً بين اليسار الألماني حتى أنه أدى في النهاية إلى استقالة هابرماس من عمله الجامعي. ورغم أن هابرماس تراجع عن هذا المصطلح إلا أنه يصر حتى الآن على أن قصده كان صحيحاً وأنه فقط أساء التعبير بأن أقحم اليسار في التشبيه.
ولكن مثل هذا الموقف الصارم خدم هابرماس فيما بعد كثيراً، خاصة بعد أن أخذت الأمور منحنى عنيفاً وظهرت منظمة الجيش الأحمر (RAF). هنا آمن حتى ناقدي هابرماس بأن رأيه كان صحيحاً، بل أكثر ذكاءً وحنكة، حتى أن البعض اعتذر له علناً – الفيلسوف أوسكار ناجت على سبيل المثال.
وفي عام 1986 كانت “معركة المؤرخين” مع كل من أرنست نولتا وأندرياس هيلجروبر. وبداية اشار هابرماس إلى خوفه من وجود ميل خفي لدى الطبقة المثقفة الألمانية، خاصة المؤرخين، إلى أفكار الحزب النازي، وإلى أن الكثيرين من جيله يخشون هذا الميل الذي قد يقود ألمانيا مرة أخرى إلى المنحدر.
واتهم هابرماس المؤرخين بأنهم يحاولون اظهار عدم أهمية الرايخ الثالث (فترة الحكم النازي)، وذلك عندما يكتفون بأن يطلقون عليه اسم “الدولة القومية الألمانية”. وطالبهم صراحة بأن كتاباتهم لابد أن تبقى ذكرى أوشفيتز حاضرة، وأن تدين بوضوح المانوخوليا الجماعية التي شملت ألمانيا والألمان آنذاك، وذلك لأن هذا كما قال: “مهم للذاكرة الجمعية الألمانية”. ورأى هابرماس أن ألمانيا نجحت في الاندماج في الغرب اقتصادياً وديمقراطياً وعسكرياً، وأن الشعب الألماني أصبح معجباً بتقاليد الديمقراطية الغربية. ولكن السؤال المهم بالنسبة لهابرماس كان: هل حدث هذا عن اقتناع وتجذر أم أنه رضى بالأمر الواقع. وهو يتمنى بالطبع أن تكون الحالة الأولى وأن هنا تحديدا يأتي دور المؤرخين الألمان.
وعن هذه النقطة تحديدا علق الفيلسوف الألماني رالف داهرندورف بأن هذا هو الطبيعي والمنتظر من هابرماس لأنه ببساطة “حفيد لأديناور”. وكما نعرف فإن السياسي الألماني المحنك كونراد أديناور كان أول مستشار منتخب لألمانيا سنة 1949 وكان بالتالي مسؤولاً عن تنفيذ خطة الحلفاء لإعادة تربية الألمان على الديمقراطية وإدماج ألمانيا مع الديمقراطيات الغربية، وأنه لهذا كان يطلق علي أحياناً “مستشار الحلفاء”.
وأشير في النهاية إلى أن هابرماس نادراً ما كان يخسر إحدى معاركه السياسية، وذلك لأسباب كثيرة منها التفوق الثقافي الذي يتمتع به والمتانة الأخلاقية والإندفاع الفكري المهول المؤيد سياسياً بالطبع. ولكن هذا ما حدث مرة عندما قابل نده نيكلاس لومان الذي يوصف عادة بهيجل القرن العشرين. وكانت هذه المناظرة حاسمة في تطور هابرماس الفكري؛ حيث بدأ يعيد النظر في نظريته الاجتماعية ويطور معتقداته الفلسفية ليدخل في مرحلة ما بعد ماركسية، ويبدأ الخطوات الأولى والحاسمة في التمهيد لنظريته في “الفعل التواصلي”. وهذا ما يحتاج لمقالات أخرى.


التعليقات

أضف تعليق