هارتس الإسرائيليةزعيم لا يرحم وفيلسوف لامع: من هو علي لاريجاني، الرجل الأقوى في إيران؟

هارتس الإسرائيلية
زعيم لا يرحم وفيلسوف لامع: من هو علي لاريجاني، الرجل الأقوى في إيران؟

احتجاجًا على نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في منتصف ذلك الشهر، والتي شابها التزوير. وقُتل ما لا يقل عن 12 شخصًا. آنذاك، سارع علي لاريجاني، الذي كان يشغل منصب رئيس البرلمان الإيراني، إلى إدانة عنف قوات الأمن ضد الطلاب. بل زار بعض المواقع التي تعرّض فيها الطلاب للاعتداء، متسائلًا كيف يُعقل أن يُهاجَم شبّان في مساكنهم الجامعية في جوف الليل. وشدّد على ضرورة احترام القانون، مؤكدًا أن وزير الداخلية يتحمّل مسؤولية ما جرى.

وبعد سبعة عشر عامًا، حين اندلعت الاضطرابات في إيران في يناير/كانون الثاني ــ وهي اضطرابات ربما مثّلت التهديد الأخطر للنظام منذ قيامه ــ تجاوز آية الله علي خامنئي سلطة الرئيس ولجأ مباشرة إلى لاريجاني، الذي كان يتولى رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي. هذه المرة، لم تكن لديه أسئلة.

ويُنظر إلى لاريجاني على نطاق واسع بوصفه العقل المدبّر وراء نجاح حملة القمع الوحشية هذا العام، والتي أدارها بكفاءة قاسية لا تعرف الرحمة. وبحسب تقديرات مختلفة، قُتل ما بين 7000 و36500 مدني، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات شخصية عليه. ولم يتردد لاريجاني في تحميل المتظاهرين أنفسهم المسؤولية، زاعمًا أنهم تصرّفوا كإرهابيين بتوجيه من إسرائيل.

وبعد اغتيال خامنئي خلال الغارات الإسرائيلية-الأمريكية في بداية الحرب، بات لاريجاني يُنظر إليه على أنه الرجل الأقوى في إيران، وصاحب الكلمة الفصل في الأمن القومي والسياسة الخارجية. ولم يقع عليه الاختيار ليكون خليفة للمرشد الأعلى، ليس فقط لأنه ليس من أبنائه، بل أيضًا لأنه ليس رجل دين، وهو شرط لازم لهذا المنصب. ومع ذلك، يُنتظر منه أن يوجّه المرشد الجديد في كل خطوة، في لحظة تُعد من أعقد اللحظات التي تمر بها البلاد.

يملك لاريجاني سجلًا يكاد يبدو غير قابل للتصديق. فعلى امتداد أربعة عقود، صعد إلى مواقع مفصلية في جميع مراكز القوة داخل الجمهورية الإسلامية. كان ضابطًا رفيعًا في الحرس الثوري، ووزيرًا للثقافة، ورئيسًا لجهاز الدعاية، ورئيسًا للبرلمان، ومرشحًا للرئاسة، ثم عاد منذ العام الماضي إلى منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو المنصب الذي شغله أيضًا في مراحل سابقة. إنه، حرفيًا، من لحم النظام الإيراني ودمه.

وقد يبدو لاريجاني مجرد ترس قاسٍ آخر في آلة سلطوية، من الطراز الذي تنتجه الأنظمة المعتمة على نحو متكرر. غير أن صورته أعقد من ذلك بكثير. فعلى الرغم من عقود أمضاها في قلب الحكم، لم يتخلَّ يومًا عما يبدو شغفه الأعمق: الفلسفة. فهذا السياسي البارد الأعصاب هو أيضًا فيلسوف، ومحاضر في الفلسفة بجامعة طهران، ومتخصص في أفكار كانط حول الرياضيات والعلوم، وقد ألّف ما لا يقل عن ستة كتب في الفلسفة، إلى جانب عدد كبير من المقالات.

قضيت الأسبوع الأخير من الحرب غارقًا في كتابات لاريجاني، بقدر ما سمح به الانقطاع شبه الكامل للإنترنت في إيران، حتى إن المواقع الأكاديمية وموقعه الشخصي كانا محجوبين. وما اكتشفته كان مفكرًا لامعًا يجمع، على نحو نادر، بين حياة التأمل وحياة الفعل، وهو إنجاز ليس بالهيّن. ففي كتاباته، يحاول لاريجاني الدفاع عن المسلّمات الأساسية لرؤيته الدينية المتطرفة للعالم، مستخدمًا أدوات الفلسفة الغربية وقواعدها، وكثيرًا ما يقدّم أطروحات تستحق التفكير فعلًا.

إن قراءة أعماله تجربة مربكة بحق. فمن جهة، تتشكّل أمام القارئ صورة رجل براغماتي لا يتردد في توجيه انتقادات حادة للسلطات في بلاده، ويتطلع إلى مجتمع حديث ومتطور، ويكتب عن حرية التعبير والديمقراطية. ومن جهة أخرى، تبرز بوضوح صورة مسلم “أصولي”، كما يعرّف نفسه، يبشّر بقيادة دينية أيديولوجية.

يعتقد لاريجاني أن الحرب الحقيقية ليست حربًا على الممتلكات والموارد المادية، بل حرب على الروح. وهو يشخّص أمراض العالم الغربي ويضعها أمام مرآة؛ مرآة قد تبدو أحيانًا كاشفة ومزعجة، وأحيانًا أخرى مثيرة للنفور العميق.

وُلد علي لاريجاني، البالغ من العمر 67 عامًا، في عائلة وُصفت يومًا بأنها النظير الإيراني لعائلة كينيدي. كان والده رجل دين شيعيًا بارزًا. أما شقيقه الأكبر، الدكتور محمد جواد لاريجاني، فكان مستشارًا مقرّبًا من خامنئي في الشؤون الخارجية. وقد درس محمد جواد الرياضيات في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وأسّس مركزًا للفيزياء النظرية في إيران، وكان أول من حصل على ترخيص لإدخال الإنترنت إلى البلاد. أما شقيقه الثاني، صادق لاريجاني، فقد ترأس السلطة القضائية الإيرانية لعقد كامل، ويشغل منذ عام 2018 رئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو من أكثر الهيئات الحكومية نفوذًا. أما الشقيق الأصغر، باقر لاريجاني، فقد شغل سابقًا منصب نائب وزير الصحة ورئاسة جامعة طهران للعلوم الطبية. وتزوج علي لاريجاني من فريدة، ابنة مرتضى مطهري، أحد أبرز منظّري الثورة الإسلامية والمقرّب من آية الله روح الله الخميني.

يقول البروفيسور مهرزاد بروجردي، المتخصص في الشأن الإيراني بجامعة ميزوري للعلوم والتكنولوجيا، لصحيفة هآرتس: “يمكنك أن ترى بصمة هذه العائلة في النظام القانوني، وفي السياسة، وفي العلوم”.

ومن اللافت أن “آل كينيدي الإيرانيين” ليسوا مجرد عائلة نافذة سياسيًا، بل نخبة فكرية أيضًا. فحتى صادق، وهو رجل دين، تخرّج في دراسات الفلسفة الغربية، وألّف كتبًا في فلسفة اللغة، والفلسفة الأخلاقية، والفلسفة التحليلية، كما ترجم أعمالًا لكل من كارل بوبر وجيفري وارنوك.

نال علي لاريجاني درجة البكالوريوس في الرياضيات وعلوم الحاسوب من جامعة شريف للتكنولوجيا، وهي المؤسسة الأرفع مكانة في هذا المجال داخل إيران. ثم غيّر مساره الأكاديمي، فتابع دراساته العليا في الفلسفة، وكتب أطروحته للدكتوراه عن فلسفة الرياضيات لدى إيمانويل كانط. ونشر لاحقًا ثلاثة كتب عن كانط، فضلًا عن كتب أخرى في الفلسفة السياسية وفلسفة الحكم، إلى جانب مقالات أكاديمية عديدة نُشرت في دوريات فارسية.

ويمكن فهم اختيار لاريجاني لكانط في ضوء سياق صدام الحضارات الذي خرجت منه القيادة الإيرانية. فقد كانت ثورة 1979 أول ثورة في العصر الحديث تؤسس دولة دينية، أي نظام حكم قائمًا على الشريعة والقوانين الدينية. وسعى أنصار الثورة إلى تقديم الإسلام بوصفه أيديولوجيا مكتملة قادرة على طرح بديل فلسفي قابل للحياة في مواجهة العالم الحديث، ولعب كثير من المثقفين دورًا مركزيًا في صياغة رؤية الجمهورية الإسلامية للعالم.

كان التصور السائد آنذاك أن الحضارة الغربية بلغت نقطة الانكسار، وأنها تعاني أمراضًا من قبيل الاغتراب والوحدة. أما العلاج، في نظرهم، فلم يكن إلا في التخلي عن أنانية الغرب وإنسانيته، ونبذ شكّه، واقتلاع شجرة الحداثة “الفاسدة” من جذورها.

وقد لازم التوتر بين هذين البعدين رؤية لاريجاني للعالم طوال حياته: فهو من جهة براغماتي يدرك أهمية العلم والتكنولوجيا والاقتصاد، ويتطلع إلى مجتمع حديث؛ ومن جهة أخرى، أصولي لا يتراجع عن مرجعيته الدينية.

يوضح بروجردي ذلك بقوله: “إيران ليست مجرد كاريكاتير لدولة يحكمها آيات الله. هناك نقاشات عميقة فيها حول قضايا فكرية. الإيرانيون يحاولون فهم موقع التقاليد، وما الذي يمكن تعلّمه من الغرب. وخريجو الجامعات هناك مطالبون بقراءة نصوص أساسية في الفلسفة الغربية”.

ويضيف الأستاذ أن التصور السائد في إيران هو أن فهم الفلسفة الغربية شرط لفهم الفلسفة الإسلامية وتطويرها. بل إن “الخميني نفسه درس أفلاطون وأرسطو. وتصوره للزعيم الديني هو، في أحد أبعاده، صيغة من مفهوم الملك الفيلسوف لدى أفلاطون”.

ومع ذلك، فإن قرار لاريجاني أن يركّز تحديدًا على كانط ليس قرارًا بديهيًا. ففكر كانط النقدي بشيرٌ بعصر التنوير، وفلسفته مقترنة بالعلمانية وتقف على الضد من الأصولية بوضوح. إنه الفيلسوف الأبرز في الحركة الفكرية التي عارضتها الثورة الإسلامية. ومع هذا، اختار لاريجاني أن يتحاور معه، وأن ينتزع منه، على نحو ما، نوعًا من الإسناد.

تقول عوفرا ريختر، من قسم الفلسفة بجامعة تل أبيب: “تلقّى لاريجاني تكوينه الأول في الرياضيات، وهناك صلة عند كانط بين الرياضيات والأخلاق واللاهوت. عدد قليل فقط من الباحثين التفتوا إلى هذه الصلة. ففي أحد نصوصه المبكرة، الذي لا يهم إلا فلاسفة الرياضيات غالبًا، أجاب كانط عن سؤال ما إذا كان اليقين في اللاهوت ممكنًا على نحو يشبه اليقين في الرياضيات، وقد رأى أن ذلك ممكن”.

ومن الأمثلة اللافتة على أعمال لاريجاني مقال يتساءل فيه عن طبيعة البرهان الرياضي: ما الذي يجعل سلسلة من الحجج “برهانًا” فعلًا؟ وما العلاقة بين الحدس والبرهان الرياضي في فلسفة كانط؟

وتقول ريختر: “يسعى لاريجاني في هذا المقال إلى إثبات أن الفرق بين الحجة الفلسفية والبرهان الرياضي لا يكمن في بنية الحجة ذاتها، بل في الافتراضات التي تنطلق منها، أي في البديهيات. وهو يشارك هنا في جدل تفسيري، لكنه يخطو خطوة أبعد؛ إذ يأخذ دعوى مقبولة ويحاول أن يُظهر أن من لوازمها دعوى أخرى يرغب أصحابها في رفضها، وهي أن الحدس يؤدي دورًا أيضًا في إدراك البديهيات الرياضية”.

ومن هذا المدخل، ينتقل لاريجاني إلى واحدة من القضايا المحورية في فلسفة العلم، وهي ما يُعرف بمشكلة التمييز، في محاولة لتحديد العلاقة الصحيحة بين المؤسسة الدينية والبحث الأكاديمي. وتنبع هذه المشكلة من صعوبة الفصل الحاسم بين النظريات العلمية وغير العلمية، بما في ذلك بعض الأوصاف الدينية التي يرى بعض الفلاسفة أنها يجب أن تخضع للنقد العلمي. وكان الحل الشائع يومًا أن العبارات العلمية هي فقط تلك القائمة على الملاحظة التجريبية، وأن العبارات الميتافيزيقية ــ المتعلقة بطبيعة الواقع، ووجود الله، والعلاقة بين الجسد والروح ــ ليست سوى هراء عديم المعنى. لكن الفيلسوف النمساوي الشهير كارل بوبر اقترح معيارًا آخر: علمية النظرية تقوم على قابليتها للاختبار والتفنيد.

وقد ناقش لاريجاني “مبدأ القابلية للتكذيب” عند بوبر. وبحسبه، فإن هذا المبدأ لا يعني أن النظريات غير القابلة للتفنيد عديمة المعنى. وقال في إحدى محاضراته: “لم يكن سؤال بوبر: لماذا يوجد معنى أو أهمية؟ ولا: ما الصحيح أو المقبول؟ بل كان معنيًا برسم الحد الفاصل بين الأنظمة النظرية للعلوم التجريبية وسائر الأنظمة الأخرى”.

وبالنسبة إلى لاريجاني، فإن الميتافيزيقا، شأنها شأن العلم، تعبير منهجي عن سعي الإنسان إلى الحقيقة. إنها ببساطة حقائق تنتمي إلى مجالات أخرى. وتقول ريختر: “إن تركيزه على مشكلة التمييز وعلى نظرية كانط في المنهج يخدم محاولته التوفيق بين المؤسسات الدينية والجامعات، وبالتالي إنقاذ التعليم العالي من قبضة المؤسسات الدينية المركزية في إيران. فمن خلال اهتمامه بالتصور المنهجي لدى كانط، وبحثه الجاد وغير الدوغمائي، ينجح لاريجاني في استثمار جوانب متطورة من فكر كانط لأغراض بلاغية تتجاوز ما كان يريده رجال الدين. إنه يصل بين أكثر جوانب فلسفة كانط عمقًا وتجريدًا وبين أكثر احتياجات الدولة عملية، بما يسمح، من جهة، باستمرار العالم الديني الإسلامي على حاله، ومن جهة أخرى، بكبح مركزية هذا الفكر الديني. تدرّس الحوزات الدين، وتدرّس الجامعات ما تُعنى به الجامعات، ويقوم بين المقاربات المختلفة نوع من التواضع المتبادل؛ وهذا هو السبيل الوحيد لازدهار الجميع”.

وفي إحدى خطبه، تناول لاريجاني مباشرة التوتر القائم بين الدين والعلم. وأوضح أن إمكان التوفيق بينهما لا يكمن في العثور على قواسم مشتركة، بل في الإقرار بأن للحقيقة وجوهًا متعددة، تتجلّى عبر البحث في ميادين مختلفة. وقال: “لذلك، ينبغي لنا أن نعترف ــ بتواضع ــ بجهود الآخرين، مدركين أن كل حقل يكشف جانبًا من الحقيقة. وعندما نبحث في مجال من مجالات الحقيقة، لا ينبغي أن نعمّم نتائجنا على المجالات الأخرى. فكثير من النزاعات تنشأ لأن نتائج مجال معين تتسلل إلى مجالات أخرى، من دون أن يتم هذا التسلل وفق منهجية تلك المجالات”.

قد ينتمي العلم والدين إلى حقلين مختلفين من حقول المعرفة، لكنهما يتصادمان أيضًا. وعندما يقع هذا التصادم، لا يبقى ثمة غموض في الخيار الذي ينحاز إليه لاريجاني.

خدم لاريجاني في الحرس الثوري خلال ثمانينيات القرن الماضي، إبان الحرب الإيرانية-العراقية، وصعد مع مرور السنوات إلى رتبة عميد. كما عمل في مركز الأبحاث التابع للحرس، حيث سعى إلى بلورة إطار نظري لعقيدة “ولاية الفقيه”، التي تشكل العمود الفقري للبنية السياسية الإيرانية.

ومن هناك، جاء صعوده إلى قمة النظام سريعًا على نحو لافت. ففي عام 1992، عُيّن وزيرًا للثقافة خلفًا للإصلاحي محمد خاتمي. وخلال العامين اللذين أمضاهما في المنصب، شدّد الرقابة على مختلف مجالات الثقافة في البلاد. بل جرت في عهده محاولات لحذف أو تعديل مقاطع من الأعمال الأدبية الكلاسيكية الإيرانية، بحجة أنها استفزازية أو غير لائقة.

وقد أفضى نجاحه في هذا المنصب إلى تعيينه عام 1994 رئيسًا لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، المحتكرة للبث الإذاعي والتلفزيوني في البلاد. وعلى مدى أحد عشر عامًا، أمسك لاريجاني بزمام آلة الدعاية الإيرانية، ووسّعها على نحو كبير؛ فافتتح ست محطات إذاعية وخمس محطات تلفزيونية، بعدما كانت البلاد لا تضم سوى محطتين تعملان قبل توليه المنصب. وفي الوقت نفسه، خفّض بث البرامج الأجنبية وشدّد قبضة النظام على الإنتاج المحلي.

ويمكن تلمّس نمط تفكيره من الطريقة التي أدار بها الذراع الدعائية. فقد جادل، على نحو صحيح، بأن الإعلام والفن يقومان على أسس فلسفية تشكلها افتراضاتهما الميتافيزيقية. وقال ذات مرة: “إذا نظرنا إلى المنظور الغربي منذ القرن التاسع عشر، وجدنا رؤية تتمحور بالكامل حول الإنسان. يجب أن يُنظَّم كل شيء في العالم بحيث يعيش البشر سعداء، وأي قيد يُفرض عليهم لا يكون إلا لمنع الضرر. وهذا هو نوع التفكير الذي ينعكس أيضًا في التلفزيون والسينما”.

وسعى لاريجاني إلى تشكيل الإعلام الإيراني بما ينسجم مع المبادئ الفكرية للجمهورية الإسلامية. وكان يرى أن القيمة الوحيدة للفن هي أن يكون أداة في البحث عن الحقيقة. وقال: “الإنسان موجود لاكتشاف الحقيقة. والفن يستخدم العاطفة والحساسية، لكن ليس بصورة عبثية. يجب أن يكون اتجاه الفن هو التسامي”. كما شدد على جودة الإنتاج الإيراني، قائلًا: “لا أريد التعميم؛ فهناك أعمال عميقة في الغرب أيضًا، لكنها عمومًا ليست بهذا القدر. في هوليوود، لا يمكن اعتبار إلا نسبة ضئيلة من الأفلام أعمالًا عميقة. أما الأعمال الإيرانية فتختلف بسبب توجهها الروحي والفكري”.

وكان يدرك كذلك قوة الثقافة والإعلام في تغيير الوعي العام. فقال: “للتحول الثقافي منهجيته الخاصة. يجب أن تتبدل المعتقدات، ويجب أن يغيّر الناس سلوكهم طوعًا. لا يمكن فرض التغيير الثقافي عبر ضغط اجتماعي جامد؛ فالتشدد المفرط يفضي إلى رد فعل عنيف. وإذا كانت لدينا مشكلات اجتماعية وثقافية، فإن حلها يجب أن يكون بوسائل ثقافية”.

غير أن مجلة “مكتب طهران” الإلكترونية تشير إلى أن هيئة البث الوطنية، في عهد لاريجاني، عززت استيلاء المتشددين على مؤسسات الدولة الحيوية. فقد أطلق مثلًا برنامجًا تلفزيونيًا بعنوان “هوية”، شن هجومًا ضاريًا على المثقفين التقدميين ومنتقدي الجمهورية الإسلامية، وكثيرًا ما تحوّل إلى منصة لملاحقة معارضي النظام والزجّ بهم في السجون. كما أسس صحيفة يومية تهاجم الإصلاحيين.

وقبل زمن طويل من عصر الذكاء الاصطناعي، كان لاريجاني قد أتقن بالفعل صناعة الأخبار الكاذبة. ففي عام 1997، وافق على إنتاج فيلم زُعم أنه يُظهر أنصار الإصلاحي خاتمي، الذي كان مرشحًا للرئاسة آنذاك، وهم يرقصون ويغنون في يوم استشهاد الإمام الحسين، الشخصية الأقدس في الوجدان الإيراني. وكانت تلك المشاهد ملفّقة.

وبعد أكثر من عقد أمضاه على رأس جهاز الدعاية، واصل لاريجاني عمله مستشارًا شخصيًا لخامنئي، وأمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهما المنصبان اللذان شغلهما حتى عام 2007، قبل أن يعود إلى المنصب الأخير في أغسطس/آب الماضي. ويتولى هذا المجلس رسم سياسات الدفاع والأمن القومي، والإشراف على المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. وهكذا أصبح لاريجاني كبير المفاوضين في الملف النووي، ولعب دورًا محوريًا في صياغة موقف إيران من اتفاق 2015 النووي. وقد أظهر في ذلك نهجًا براغماتيًا، إذ دعم الدبلوماسية كوسيلة لتخفيف العقوبات، من دون التفريط بأمن إيران.

وفي عام 2005، خاض لاريجاني الانتخابات الرئاسية لكنه خسر أمام محمود أحمدي نجاد. وخلال حملته، انتقد القيادة الإصلاحية في عهد خاتمي، معتبرًا أنها أهملت الاقتصاد. وقال: “خمسة وسبعون في المئة من مطالب الشعب الإيراني مطالب اقتصادية، في حين لا تتجاوز المطالب الثقافية أو السياسية خمسة في المئة”.

ويتذكر جاك سترو، وزير الخارجية البريطاني الأسبق، أنه التقى كلًا من لاريجاني وأحمدي نجاد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في تلك الفترة. وقد بدا له لاريجاني شخصية أكثر رقيًا من الرئيس؛ فبينما كان أحمدي نجاد يرتدي ملابس تبدو كأنها من أوائل الثمانينيات، حضر لاريجاني بقميص “رالف لورين” مكوي بعناية، كما كتب سترو في مذكراته.

وفي كتابه الذي نشره في العام نفسه بعنوان “العهد مع الشعب”، طرح لاريجاني مشروع “إيران جديدة؛ إيران تسعى إلى إعلان نهاية عصر التخلف، وتحقيق نهضة علمية وتكنولوجية، مقرونة بزيادة الثروة الوطنية. ولذلك، فإنها تختار الاقتصاد أولوية قصوى في هذه المرحلة”. ويعرض في الكتاب خطة تحول نحو “دولة حديثة”، يركز فيها على التقدم العلمي والتكنولوجي، والإصلاح الديني، ومحاربة الفساد الاقتصادي داخل مؤسسات الدولة، ومعالجة هجرة العقول، إلى جانب “الحفاظ على الهوية الوطنية الإيرانية في خضم العولمة”.

لكن ذلك التوتر بين البراغماتية والتشدد لم يفارقه يومًا. ويمكن رصد هذا التوتر حتى داخل أسرته الصغيرة. فإحدى بناته طبيبة وباحثة في مجال السرطان في الولايات المتحدة، نشرت نحو ستين مقالًا في دوريات علمية، وقد أُقيلت مؤخرًا من منصبها في جامعة إيموري بسبب النفوذ الواسع لوالدها في إيران. ومن الواضح، إذن، أن لاريجاني ربّى ابنته على الاستقلالية والنجاح الشخصي. لكن زوجته فريدة تحدثت، في مقابلة نادرة، عن آرائه في مكانة المرأة. ووفقًا لها، فإنه وإن كان يعتقد أن بعض النساء قد ينجحن في أداء أدوار رئيسية أفضل من الرجال، فإنه يرى، نظرًا لمسؤولياتهن في إدارة البيت وتربية الأطفال، أن الأفضل لهن ألا يشغلن أدوارًا خارج المنزل.

وفي حديثه عن الحرية الإنسانية، يقرر لاريجاني، بطبيعة الحال، أن جميع البشر، بحكم إنسانيتهم، يملكون الحق في الحرية. يقول: “الطبيعة البشرية تقتضي أن يكون الإنسان حرًّا في التفكير. ولذلك فإن حرية الفكر حق من حقوق الإنسان”.

غير أن هناك “لكن” كبيرة هنا، تمنح في الواقع شرعية لمفهوم شرطة الفكر. فحجته تقوم على أنه كما أن التعلم لا بد أن يقوم على ترتيب منطقي، وأن كل فكرة تفتقر إلى الاتساق المنطقي ينبغي رفضها وألا تُنشر في المجتمع، فإن الأمر نفسه ينسحب على الأخلاق. ويقول: “كل ما من شأنه أن يسمو بالمجتمع روحيًا يجب أن يتمتع بحرية في مجاله، وأن يستوعب تنوع الأذواق والميول؛ أما كل ما يقود إلى الانحطاط الاجتماعي فيجب اعتباره متجاوزًا لحدود الحرية الروحية”. ومن الذي يقرر ما يفضي إلى السمو وما يفضي إلى الانحطاط؟ لاريجاني نفسه، بالطبع.

وقد قال كلامًا مشابهًا عن الديمقراطية: “قد لا تكون الديمقراطية دائمًا هي الأسلوب الأمثل، لكنها الأكثر قبولًا. إنها طريق منهجي، نهج عملي لتوجيه المجتمع نحو النجاح. ويكون المجتمع أكثر نجاحًا عندما تحظى حكومته بقبول واسع من مواطنيه. ولكن كما أن الحرية الفكرية الروحية تحتاج إلى إطار، فإن الديمقراطية تحتاج هي الأخرى إلى إطار. وما معنى هذا الإطار؟ إنه إطار يقود إلى غاية، وهذه الغاية هي رفاه الأمة”.

وهنا ينتقل النقاش إلى عوالم ميتافيزيقية يصعب على الليبرالي قبولها. ففي التصور الليبرالي الميتافيزيقي، لا يمتلك المجتمع وجودًا مستقلاً مكتملًا بذاته، بل هو مجرد مجموع أفراد تربطهم علاقة تعاقد اجتماعي. أما لدى لاريجاني، فالأمر مختلف. فهو يرى أن “للمجتمع هوية وجودية مستقلة عن الفرد. أي إن تداخل أرواح الأفراد داخل الأمة يخلق روحًا جماعية مستقلة. وإذا اعترفنا بهذه الهوية المستقلة، فعلينا أن نعترف أيضًا بحقوقها. ووفقًا للفكر الإسلامي، فإن لهذه الروح الجماعية وجهة؛ فهي تسعى إلى الرخاء والخلاص”.

وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من تصميم أطر تنظّم الديمقراطية وتوجّهها نحو غايتها، وفقًا لمبادئ الإسلام. وبعبارة أخرى، فإن “التشريعات في الدولة لا تكتسب معناها إلا عندما تنسجم مع المبادئ والغايات”.

شغل لاريجاني منصب رئيس البرلمان الإيراني لثلاث دورات متتالية بين عامي 2008 و2020، وهو موقع رسّخ مكانته بوصفه شخصية محورية في التشريع أيضًا. وخلال تلك الفترة، ضمن تمرير الاتفاق النووي في البرلمان، لكنه شدّد في الوقت نفسه قمع الشخصيات والتيارات التي حاولت تقويض النظام. وهذا المزيج بين المسارين منحه صورة “المحافظ البراغماتي”.

وقد جعلته قدرته على اللعب على الجانبين شخصية وساطة داخل إيران، قادرة على بناء التوافق حتى في الظروف الصعبة. لكن هذا الأمر جرّ عليه أيضًا انتقادات من الأوساط العقائدية الأكثر تشددًا داخل النظام. وعندما حاول الترشح للرئاسة مرتين أخريين، في 2021 و2024، جرى استبعاده بدعوى أن نمط حياته لا يعكس التزامًا دينيًا كافيًا. ويقول البروفيسور ليئور ستيرنفيلد، الباحث في الشأن الإيراني بجامعة ولاية بنسلفانيا: “لاريجاني لا يملك عقيدة سياسية يسهل تصنيفها ضمن هذا المعسكر أو ذاك. فمواقفه في بعض القضايا تميل إلى الوسط السياسي أكثر من مواقف خامنئي، على سبيل المثال”.

وحتى إن لم يُنتخب رئيسًا، فإن نفوذه السياسي واصل التوسع. ففي عام 2021، أُوكلت إليه مهمة الإشراف على المفاوضات مع الصين حول اتفاقية تعاون استراتيجي لمدة 25 عامًا، تُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات. وعلى امتداد السنوات، زار موسكو مرات عديدة بصفته مبعوثًا للمرشد الأعلى، والتقى هناك فلاديمير بوتين، مسهمًا في ترسيخ العلاقات الوثيقة بين البلدين. كما عمل مبعوثًا لخامنئي إلى دمشق وبيروت. ومنذ عام 2020، انضم أيضًا إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو هيئة نافذة تشرف على البرلمان وتملك صلاحية رفض القوانين والمرشحين للانتخابات، وقد سبق أن شغل عضويته أيضًا بين عامي 1997 و2008.

ومع ذلك، يواصل لاريجاني، في الوقت نفسه، توجيه انتقادات حادة للحكومة من داخل المؤسسة الحاكمة ذاتها. ففي عام 2024، نشر كتابًا بعنوان “الحكمة والتبصّر في الحكم”، شدد فيه على أهمية التفكير المنطقي في صناعة القرار الإداري والسياسي، ووجّه نقدًا صريحًا للبنية السياسية، بل كتب عن ضرورة إعادة تفسير دستور الجمهورية الإسلامية. ومن بين مقترحاته إنشاء مجلس لمعالجة الاختلالات البنيوية في الدولة، والتي تشمل، من وجهة نظره، تراجع رأس المال الاجتماعي، وضعف القدرة الإدارية، وتآكل التماسك الوطني، وغياب الابتكار.

وهو في هذا كله يتبنى نهجًا واقعيًا للغاية وموجّهًا نحو الحلول.
غير أن لاريجاني يرفض أبسط الحلول للمشكلات. ففي مقال نشره في يونيو/حزيران 2024، يتساءل: لماذا ينبغي، في ظل وجود نموذج ناجح لإدارة المجتمع يتمثل في الحضارة الغربية، أن نسعى إلى إقامة مجتمع ديني، وهو أمر يعترف هو نفسه بأنه لم يتحقق بنجاح في التاريخ؟

ويجيب عن ذلك بقوله: “يكمن الجواب في أصل الاختلاف بين المنظورين: المجتمع الديني والحضارة الغربية. فبحسب هذا التصور، يتجه المجتمع الديني إلى البحث عن الحقيقة ويتحرك بعقلانية، في حين تتجه الحضارة الغربية إلى طلب اللذة وتحركها العاطفة”.

وفي العام الماضي، ومع تجدّد التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، استُدعي لاريجاني مجددًا لتولي منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي. ووفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، فقد كان مسؤولًا عن الرد الإيراني على الهجمات الإسرائيلية والأمريكية في يونيو/حزيران الماضي، بما في ذلك إطلاق مئات الصواريخ الباليستية على إسرائيل.

ومع مقتل خامنئي في بداية الحرب الحالية، رسّخ لاريجاني موقعه باعتباره الشخصية المحورية في النظام. وهو اليوم مسؤول عن تنسيق الردود العسكرية والسياسية المعقدة على التهديدات التي تطال مختلف مؤسسات الدولة، بما في ذلك الهجمات على الدول العربية المجاورة.

كما أن خبرته السابقة على رأس هيئة البث الوطنية تخدمه الآن أيضًا. فهو ينشر على منصة “إكس”، ويوجه رسائله مباشرة إلى صميم الجدل داخل الرأي العام الأمريكي. كتب في أحد منشوراته: “استسلم ترامب لتصرفات نتنياهو المهرّجة، وجرّ الشعب الأمريكي إلى حرب ظالمة مع إيران”، وأضاف في منشور آخر: “لقد خان ترامب شعار ‘أمريكا أولًا’ ليتبنى شعار ‘إسرائيل أولًا’”. وفي إطلالاته العلنية، يتخذ لاريجاني موقفًا صقوريًا، متوعدًا الولايات المتحدة وإسرائيل بأن تدفعا ثمنًا باهظًا وأن “تندما على أفعالهما”. بل إنه هدد ترامب هذا الأسبوع صراحة، فكتب: “الشعب الإيراني لا يخشى تهديداتك. احذر، وإلا فستكون أنت من يُستأصل”.

في كتابه “الجمهورية”، رسم أفلاطون صورة الدولة المثالية، أو “كاليبوليس”. وادعى أن هذا المجتمع المثالي وحده قادر على إنهاء “مشكلات الدول”. وما يميّز كاليبوليس عن سائر الدول، في نظره، أمر واحد: أن يكون حاكمها فيلسوفًا؛ أي أن “السلطة السياسية والفلسفة تجتمعان في يد واحدة”.

وعلى امتداد التاريخ، لم تظهر إلا نماذج قليلة من هذا “الملك الفيلسوف”. فقد تلقى الإسكندر الأكبر تعليمه على يد أرسطو وحقق إنجازات غير مسبوقة، ويُعد ماركوس أوريليوس، صاحب كتاب “التأملات” الخالد، من أفضل الأباطرة في التاريخ الروماني. كما كان فريدريك العظيم، أحد أكثر الملوك تأثيرًا في التاريخ الأوروبي والذي حوّل بروسيا إلى قوة عظمى، كاتبًا لنصوص فلسفية. وفي القرن العشرين يبرز توماش ماساريك، أستاذ الفلسفة وأول رئيس لتشيكوسلوفاكيا منذ عام 1918. لكن، باستثناء هذه النماذج القليلة، كاد الفلاسفة يختفون تمامًا من دوائر السلطة.

ومع ذلك، تكشف الحرب الراهنة أن أحد لاعبيها الأساسيين فيلسوف يمتلك نفوذًا سياسيًا واسعًا. غير أن هذا الفيلسوف لا يبدو أن غايته هي إنهاء “مشكلات الدول”، على حد تعبير أفلاطون.

فمن جهة، من الواضح أن لاريجاني مولع بالفلسفة، وأنه رجل مفكر يسعى بعقلانية إلى حياة أفضل. لكن أفعاله تجعله أقرب إلى شخصية فلسفية كلاسيكية أخرى: ليس “ملكًا فيلسوفًا”، بل “أميرًا فيلسوفًا”، بالمعنى الماكيافيلي؛ أي ذلك الحاكم الذي يجعل من الحفاظ على سلطته وحكمه، مهما كان الثمن، القيمة العليا.

وقد عارض الفيلسوف باروخ سبينوزا أي نظام سياسي يقوم على فضيلة شخص واحد أو حكمته. فالدولة، في نظره، لا ينبغي أن تعتمد على حكمة فرد بعينه، بل يجب أن تُبنى مؤسساتها بحيث تعمل بكفاءة حتى عندما يتصرف الناس بدافع العاطفة والخوف والمصلحة، لا بدافع العقل وحده. ومن ثم فإن كاليبوليس لا تقوم على عبقرية حاكم مفرد، بل على مؤسسات وقوانين تنظّم السلطة بعقلانية، وتتيح قدرًا من الحرية والاستقرار.

أما بوبر، فقد رأى أن السؤال الأهم في السياسة ليس: “من الذي ينبغي أن يحكم؟”، بل: “كيف يمكن بناء مؤسسات تمنع الحكام السيئين أو غير الأكفاء من إحداث قدر كبير من الضرر؟”. واعتبر أن فكرة “الملك الفيلسوف” جزء من تقليد استبدادي في الفلسفة السياسية. وبدلًا من حكم الحكماء، شدّد على بنية ديمقراطية تقوم على فصل السلطات، والرقابة العامة، وإمكانية تغيير الحكومة سلميًا.

ولا يزال مثل هذا البناء المؤسسي المتماسك نسبيًا قائمًا في إسرائيل. ويمكن رؤية نتائجه في أرقام الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بإيران، أو في ديناميكيات القوة خلال الحملة العسكرية الجارية. غير أن هذا البناء الإسرائيلي نفسه يجري تفكيكه على أيدي أيديولوجيين ورجال دين يهود، مؤمنين تمامًا بصواب طريقهم. وربما كانت هذه هي الخلاصة الأكثر إثارة للانتباه التي خرجت بها خلال أيامي في قراءة كتابات لاريجاني.

إن نقد لاريجاني للمسلّمات الأساسية للفكر الغربي، ودعوته إلى تجاوز الحداثة، لا ينبغي أن يُرفض على عجل، بل يستحق الدراسة والتأمل. لكن أفعاله، في نهاية المطاف، تجاوزت كل ما يمكن تبريره باسم أي فلسفة. ويقول ستيرنفيلد: “لاريجاني ليس أول رجل فكر في التاريخ يتحول إلى طاغية وحشي. إنه منظّر عميق، وقد ارتكب فعلًا قاتلًا باسم الأيديولوجيا”.

وقد يُغري ذلك برؤيته بطلاً تراجيديًا قذفته الأقدار إلى موقع اضطر فيه إلى إصدار أوامر بمذبحة. لكنه، على الأرجح، كان سيزدري هذا الوصف، الذي سيراه ــ من منظوره ــ غربيًا، عاطفيًا، واهيًا. لقد تخلّى عن الخير، بأعمق معاني الكلمة، لصالح الإيمان، وهو الشيء الأهم في حياته. تمامًا كإبراهيم، أبي المؤمنين، الذي كان مستعدًا لأن يذبح ابنه الوحيد الذي أحبّه. غير أن ثمة تفصيلًا آخر مهمًا في القصة: إبراهيم لم يغرس السكين بيده.


التعليقات

أضف تعليق